عبد الملك الجويني
409
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن وقع التصريح بذكر وصول اللبن إلى الجوف ، فهو المراد . وإن ذكر الشاهد أو الشاهدة لفظَ الإرضاع ، واستراب القاضي ، وجوّز أن يكون الإرضاعُ غير مفضٍ إلى وصول اللبن إلى الجوف المعتبر ، فله أن يستفصل الشاهدَ ، هذا لا خلاف فيه ، وسيأتي كشفه في موضعه من الشهادات ، إن شاء الله . ولو فرضت الشهادة على الإرضاع ، ثم مات الشاهد قبل الاستفصال ، وفات إمكان الرجوع إليه ، فهل يجوز التوقف في الشهادة والحالة هذه ؟ هذا هو الذي يظهر فيه تردد الأصحاب ، وقد يعتضد وجوب الحكم بالإرضاع وإن لم يَجْرِ للوصول إلى الجوف ذكرٌ بما قدمنا ذكره من أنه يجوز الاقتصار على معاينة الأحوال التي وصفناها في تحمل الشهادة على الإرضاع ، وإن كان معاينة وصول اللبن إلى الجوف ممكنة بخلاف تحمل الشهادة على الزنا ، فإن من عاين أحوالاً تماثل أحوال المرضع والمرتضع ، لم يجز له أن يعتمدها في الشهادة على الزنا ، حتى يعاين ذلك منه في ذلك منها ، كالمِرْود في المُكْحلة والشَّطَنُ في البئر ، والذي يعضد ذلك أن اشتراط هذا التأكيد في التحمل في الزنا ، واشتراط التصريح في صيغة الشهادة ، وإثبات مزيد العدد ، كل ذلك يشعر بأن للشرع غرضاً في دفع الزنا ودفع حَدِّه ، والأمر في الرضاع على التغليظ ، والحظرُ على التغليب . فانتظم إذاً وجهان : أحدهما - أن الشهادة لا تثبت ما لم يصرح الشاهد بوصول اللبن إلى الجوف ، [ وهذا ] ( 1 ) ما ذكره الصيدلاني . والثاني - أن الرضاع يثبت بالشهادة على الإرضاع والارتضاع إذا عسر الاستفصال ، كما سبق تصويره . 10071 - ومما يتعلق بهذا الفصل وله ارتباط بالأصل الأول أيضاً ، وهو أن التي أرضعت لو شهدت على وصول اللبن إلى جوف الصبي على الحد المحرِّم عدداً وزماناً ، فشهادتها مقبولة عندنا ، وهو مذهب جماهير العلماء . فإن قيل كيف يقبل شهادتها وهي تثبت فعل نفسها ، وتتعرض للإخبار عنه ؟ قلنا :
--> ( 1 ) في الأصل : فهذا .